عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
308
اللباب في علوم الكتاب
منهم ، فقالوا له ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك ، فإنهم يمرّون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا ، وإنا لنطمع فيك فقال عمر رضي اللّه عنه : واللّه ما آتيكم لحيّكم ولا أسألكم لأني شاكّ في ديني ، وإني أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد - صلّى اللّه عليه وسلم - وأرى آثاره في كتابكم فقالوا : من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة فقال : جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا ، وهو صاحب كل عذاب وخسف وشدّة ، وإن ميكائيل يأتي بالخصب والسّلامة ، فقال لهم عمر رضي اللّه عنه : تعرفون جبريل ، وتنكرون محمدا - عليه الصّلاة والسّلام - فقالوا : نعم قال : فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من اللّه - عز وجل - قالوا : جبريل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوّ لجبريل ، قال : فإن كان كما تقولون فما هما بعدوين ، ولأنتم أكفر [ من الحمير ، وإني أشهد أنّ من كان عدوّا لجبريل فهو عدو لميكائيل ، ومن كان عدوا لميكائيل فهو عدو لجبريل ، ومن كان عدوا لهما فإن اللّه - تعالى - عدوّ له ، ثم رجع عمر فوجد جبريل - عليه السلام - قد سبقه بالوحي ، فقرأ النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - هذه الآيات وقال : لقد وافقك ربك يا عمر ، فقال عمر - رضي اللّه عنه - فقد رأيتني بعد ذلك في دين اللّه - تعالى - أصلب من الحجر ] « 1 » . وثالثها : قال مقاتل : زعمت اليهود أن جبريل - عليه السلام - عدوّنا ، أمر أن يجعل النبوة فينا ، فجعلها في غيرنا فأنزل اللّه - تعالى - هذه الآيات . قال ابن الخطيب : والأقرب أن يكون سبب عداوتهم لا أنه كان ينزل القرآن على محمد - صلّى اللّه عليه وسلم لأن قوله تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 97 ] مشعر بأن هذا التنزيل [ لا ينبغي أن يكون سببا للعداوة ؛ لأن إنما فعل ذلك بأمر اللّه ، فلا ينبغي أن يكون سببا للعداوة ، وتقرير هذا من وجوه : أولها : أن الذي نزله جبريل من ] « 2 » القرآن [ الذي نزل به فيه ] « 3 » بشارة المطيعين بالثواب ، وإنذار العصاة بالعقاب ، والأمر بالمحاربة والمقاتلة لم يكن ذلك باختياره ، بل بأمر اللّه تعالى الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ، ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة اللّه - تعالى - وعداوة اللّه - تعالى - كفر ، فيلزم أن معاداة من هذا سبيله كفر . ثانيها : أن اللّه تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب ، فإما أن يقال : إنه كان [ يتمرد أو يأبى ] عن قبول أمر اللّه ، وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين ، أو كان يقبله وينزل به على وفق أمر اللّه ، فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل - عليهما السلام - فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة ؟ وثالثها : أن إنزال القرآن على محمد - عليه السلام - كما شق على اليهود ، فإنزال
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في أ .